المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عولمة القانون الجنائي الدولي


nawwar.w
02-08-2008, 02:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون)

صدق الله العظيم
(سورة البقرة الآية 30)

تمهيد وتقسيم
المبحث الأول: المقصود بعولمة العدالة الجنائية
أولا : مفهوم النظام العالمي وتطوراته
ثانيا : التنظيم الدولي
المبحث الثاني: عولمة التشريع الجنائي
المطلب الأول: مراحل تطور القانون الدولي الجنائي نحو العولمة
المطلب الثاني: سمات اكتمال التشريع الدولي الجنائي : في ظل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
المبحث الثالث: عولمة القضاء الجنائي
المطلب الأول: محاكمات الحرب العالمية الأولى
المطلب الثاني: محاكمات الحرب العالمية الثانية
الفرع الأول: محكمة نورمبرج عام 1945
الفرع الثاني : محكمة طوكيو ( 1946) " I.m.t.f.e"
الفرع الثالث: مدى تحقق عولمة القضاء الجنائي في ظل محاكمات نورمبرج وطوكيو
المطلب الثالث: المحاكم الخاصة - النشأة بقرار من مجلس الأمن
الفرع الأول: المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة
الفرع الثاني: المحكمة الجنائية الدولية لرواندا Ictr
الفرع الثالث: هل تعتبر محكمتا مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة ورواندا من آليات العولمة القضائية الجنائية ؟
المبحث الرابع: المحكمة الجنائية الدولية كآلية دائمة للعولمة القضائية الجنائية
النظام الأساسي للمحكمة هو معاهدة دولية
حدود سلطة المحكمة الجنائية الدولية على الدول غير الأطراف في نظامها الأساسي
كيفية إحالة الدعوى للمحكمة الجنائية الدولية
مدى تحقق ضمانة استقلال القضاء الجنائي الدولي
مدى تحقق العولمة القضائية في ظل المحكمة الجنائية الدولية
خاتمة البحث : والرؤية المأمولة لعولمة العدالة الجنائية
المراجع


تمهيد وتقسيم
ما فتأت العدالة حلماً وأملاً يراود البشرية منذ بدء الخليقة فما زالت هي ضالتها وغايتها المنشودة، لذا أفنى الفلاسفة والمفكرون حياتهم لإيجاد سبل تكريسها بعدما وجدوها سبب استتباب الأمن والسلم في حياتهم. ولعل جهود هؤلاء الفلاسفة والفقهاء لم تكن للاعتراف بالعدالة وإنما لإيجاد الآليات التي تكفل تكريسها. والناظر إلى مراحل نشأة وتطور أنماط المجتمع بدءاً من الأسرة كصورة بدائية ونواة أولية للمجتمع وحتى نشوء الدولة بالصورة الحالية يدرك أن آليات العدالة تطورت بتطور أنماط المجتمع. وحيث كانت الأسرة هي النواة الأولى فعرفت فيها السلطة الأبوية كسلطة تسهر على إعمال العدالة بين أفرادها وهكذا مروراً بالعشيرة ثم القبيلة حتى ظهرت الدولة بمفهومها الحديث.

وتطور الفكر القانوني حتى استطاع أن يقف على آليات إنفاذ العدالة وبسطها على ربوع الدولة وتمثلت تلك الآليات من خلال مثلث ذي ثلاث شعب أما الشعبة الأولى فهي شعبة التشريع إذ كان حتماً وضع القواعد القانونية الآمرة والملزمة والمخاطبة لأفراد مجتمع الدولة وسن القوانين في صورة (إفعل ولا تفعل) ورصد العقوبات جزاءاً لخرق تلك القواعد. وأما الشعبة الثانية من شعب آليات العدالة على صعيد الدولة فتمثلت في شعبة القضاء الذي يمثل أمامه أصحاب الحقوق والمظالم والظالمين أو المعتدين ليقتص للمظلوم من الظالم بحيدة وتجرد حتى يرد الحقوق لأهلها فيرتدع كل من تسول له نفسه الاجتراء على الحرمات التي صانتها القوانين ويزجر من انتهكها بجرمه. أما المحور أو الشعبة الثالثة فكانت سلطة التنفيذ التي تكفل إنفاذ ما حكمت به المحاكم وما أمرت لتكون بمثابة عصاً في يد العدالة تضرب على يد الآثمين وتروع من يقدم على المساس بسلامة المجتمع وتحقق هيبة القضاء وحرمة القانون. وبارتسام أضلاع هذا المثلث على ربوع الدولة تحقق أمن المجتمعات واستقرار الدولة وأنظمتها. وقد عاش المجتمع الدولي طويلاً ينعم بذلك حتى لاحت في الأفق الجريمة عابرة الحدود ومتعديه الأنطقة الدولية تلك الجريمة التي لم تهدد أمن مجتمع الدولة فحسب بل نالت من أمن وسلامة المجتمع العالمي بأسره فتجاوزت بمخاطرها حدود الدولة ووقعت الإنسانية بآسرها ضحية لها فكان لزاماً إيجاد آليات أكثر تطوراً تلائم تلك الجريمة الدولية.

ولقد أتى على الجماعة الدولية حين من الدهر لم تكن تعرف شيئاً يسمى بالجريمة الدولية حينما لم تكن تتعدى الجريمة حدود الدولة الواحدة وبالتالي فلم يعبأ الفقهاء بالتفكير في إيجاد مدونة عقابية تقوض تلك الجريمة وتستهدفها وتحض على احترام الإنسانية وكرامتها بغض النظر عن الفوارق الدينية أو العرقية أو الطائفية أو الجنسية ولكن ازدياد وتيرة العنف والتناحر والصراع على الصعيد الدولي وسقوط الضحايا تلو الضحايا من الأبرياء تحت رحى الحروب وجرائمها أدى إلى بزوغ فكرة القاعدة الجنائية الدولية في أذهان الفلاسفة والفقهاء بيد أن تباعد الأوطان وعدم سهولة الانتقال بينها واختلاف ألوان وثقافات وديانات ولغات البشر كانت عقبات في سبيل تقنين مدونة عقابية ذات طابع وصبغة دولية.
لهذا عاشت البشرية عقوداً سحيقة تحت وطأة الحروب وما يرتكب إبانها من جرائم ومذابح وفظائع حتى أشرقت الأرض بنور الشريعة الإسلامية الغراء فإذا بها تنقل البشرية من غياهب الظلمات إلى النور وتضعها على محك حضاري غير مسبوق على مر العصور فرسخت مبادئ العدالة الدولية وحقوق الإنسان وجرمت كل ما ينال من أمنه وكرامته سواء في السلم أو في الحرب ووضعت حداً فاصلاً بين الاعتداء بغير الحق وبين الحرب المشروعة وسنت القوانين التي تكفل أمن الأبرياء والشيوخ والأطفال والنساء والأسرى أثناء الحرب حتى أنها لم تغفل حماية الأشجار والبيئة في أتون الحروب فجرمت قطعها أو حرقها بغير مبرر ولعل النصوص القرآنية الدالة على ذلك كثيرة ومنها قولها تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [1] ومنها قوله تعالى ]فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [2] ومنها ما يناهض الحرب غير المشروعة، والبغي بغير حق فقال تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [3].
لكن الإنسان بجهله وظلمه نبذ أحكامها بعد ذلك فتقهقر متخلفاً عنها بمراحل سحيقة فلم يهتدي الفكر البشري لقاعدة دولية جنائية سوى في نهاية القرن الثامن عشر في أعقاب هزيمة نابليون بونابرت حيث بزغت فكرة الحرب غير المشروعة عندما انعقد مؤتمر فينا سنة 1815. والذي قررت فيه الدول المنتصرة مسئولية نابليون في الحروب التي أثارها، وقررت ذلك باسم القانون والنظام العالمي ووصفت نابليون بأنه مثيراً للحرب غير المشروعة وعدو السلام حيث انتهى الرأي إلى اتخاذ تدبير وقائي ضده هو نفيه لجزيرة سانت هيلانه [4].
وفي أعقاب ذلك وخلال القرن التاسع عشر نشبت الحروب تلو الحروب غير أن الدول لم تجد صعوبة في اتخاذ فكرة المصلحة تكئة لها عما ترتكبه من جرائم في أتون تلك الحروب غير المشروعة تلك الفكرة التي ساقها المفكر ميكافلي (1469 – 1527) و بودان (1530 – 1596) وهوبز (1588-1627) قائلين بأن مصلحة الدول تبرر كل مسلك لها وأن الحاكم لا يمكن أن يخطأ لأن سلطته مطلقة [5].
واستمر عقد الأمن والسلم الدولي في انفراط لا يتوقف فما أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها حتى نشبت الحرب العالمية الثانية وحاول المجتمع في أعقاب كل واحدة محاكمة مجرميها فتشكلت محكمة جنائية دولية في نورمبرج وأخرى في طوكيو لتصدر كلاهما أحكاماً بالإعدام، والسجن دون مدونه عقابيه ترخص في ذلك فكان الطعن بعدم مشروعية أحكامها، وكل ما في الأمر أن وضعت هاتين المحكمتين مبادئ عامة كانت بمثابة النواة للقانون الدولي الجنائي. ثم مرت الساحة الدولية بالعديد من الأحداث والفظائع التي راح ضحيتها أعدادا تستعصي على الحصر واستمرت الجهود لإيجاد آليات تقويض جرائم الحروب فتشكلت محكمة يوغوسلافيا السابقة ثم محكمة رواندا بيد أن الانتهاكات لم تنقطع فتوالى انتهاك كرامة الإنسان وآدميته على يد الأمريكان في معتقل جوانتانامو وفي سجن أبو غريب في العراق وعلى صعيد آخر كانت أحداث دارفور بالسودان والإنسان هو الضحية.
ولأن فكرة حماية حقوق الأبرياء ضحايا الحروب كانت ولا زالت معقل الاهتمام وقطب الوحى فقد آل المطاف بالجماعة الدولية إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية لتكون أول آلية قضائية جنائية دولية دائمة نحو تحقيق العدالة الدولية المنشودة ولتكون أولى شعب عولمة التنظيم الجنائي الذي ننشده. ولكنه من نافلة القول أن هذه المحكمة بذاتها لا تكفي لتكريس العدالة على الصعيد الدولي تلك العدالة التي لا سبيل لتحقيقها إلا إذا اكتملت أضلاع مثلث عولمة العدالة الجنائية الذي هو أملنا في هذا البحث. فإذا كانت وبحق المحكمة الجنائية الدولية هي أولى محاور هذا المثلث فإن له محورين آخرين لابد من ارتسامهما، أما الأول فهو المحور التشريعي الجنائي الذي يحقق عولمة التشريعي الجنائي وأما الثاني فهو آلية التنفيذ الدولية.
ونحسب أنه لا سبيل لعدالة جنائية تعم ربوع المعمورة بغير تحقق هذه العولمة واكتمال آلياتها الثلاثة وإذا كنا بصدد الحديث عن العولمة فإنه لزاماً علينا أن نتعرض في مبحث أول لظاهرة العولمة ومفهومها والمقصود بالنظام العالمي، والتنظيم العالمي. ثم نخصص مبحثا ثانياً لأولى محاور آليات عولمة العدالة الجنائية وهو محور التشريعي الجنائي الدولي. وفي المبحث الثالث نتعرض للمحور الثاني المتمثل في آلية القضاء الجنائي الدولي. والمبحث الرابع نخصه لاستعراض المحكمة الجنائية الدولية التي توجت جهود الفقهاء لنقف على مدى تحقيقها للآمال التي كانت معقودة عليها في تحقيق عدالة جنائية دولية من عدمه.
ونختتم البحث بما نأمله ونراه محققا لموجبات هذه العدالة على الصعيد الدولي.

المبحث الأول
المقصود بعولمة العدالة الجنائية
أصبحت العولمة كلمة تفرض نفسها في شتى المجالات وتناولتها الصحف والإعلام بمزيد من الاهتمام وهي مصطلح له وزنه على الساحة الدولية يرتبط بالنظام العالمي والتنظيم الدولي سواء كان ذلك التنظيم العالمي متعلقا بالتجارة الدولية أو الاقتصاد أو التكنولوجيا ونقلها أو بالعدالة الجنائية ومن ثم كان لزاما علينا الإلماح إلى مفهوم النظام العالمي ثم مفهوم التنظيم الدولي حتى يتضح المقصود بعولمة التنظيم الجنائي.

أولا: مفهوم النظام العالمي وتطوراته
(أ) مفهوم النظام العالمي
إن تعريف كلمة (النظام) لغويا هو (النمط أو الأسلوب) وإذا تعودت جماعة معينة على نمط معين وأسلوب معين وعاشت في كنفه فترات طويلة من الزمن ودون انقطاع أصبح هذا النمط أو الأسلوب (منهجاً أو واقعاً) وإذا قنن هذا المنهج بلوائح وقواعد قانونية، فإنه يصبح التزاما، كما أن هناك من الأساليب والأنماط التي يجب الاعتداد بها وعدم مخالفتها دون تقنين وهي ما تعرف بالنظام العام، وقياسا على ذلك فإن النظام العالمي ينظر إليه على أنه النمط أو الأسلوب أو النهج السائد في العالم أو بين البشرية على امتدادها في حقبة معينة من الزمن، وإذا كان الواقع يوحي بأنة ما يسود بين البشر من تعاملات ومناهج متعددة الأنماط منها الاقتصادي – الثقافي – الحضاري – السياسي – العسكري – الديني، فإنه استنادا إلى ما تقدم يمكن تعريف النظام العالمي – وفي أبسط صوره (بأنه النمط أو الأسلوب أو النهج السائد بين البشرية أو بين العالم في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والعسكرية من تعامل أو تباعد وتقارب وتجاذب وتنافر وحرب وسلم، وفي حقبة معينة من الزمن تبدأ مع بداية ظهور أسلوب ونظام معين وتنتهي بنهاية هذا الأسلوب أو النظام وظهور نظام جديد) [6].

nano master
02-08-2008, 03:36 PM
تقبل مروري اخي ..

عسى ان استفيد يوما"

سلمت الايادي

nawwar.w
02-10-2008, 02:30 AM
ولايهمك اخت نانو ههههههههه

lyal_elomer
02-10-2008, 07:06 PM
مشكور نوار على هذا المحهود الرائع ولكن تبقى كلمه العداله حلما فى ظل نظام دولى يكيل بمكيالين
وتقبل مرورى ليالى العمر

nawwar.w
02-10-2008, 10:47 PM
فعلا اختي ملاحظتك بمحلا
وهي هون المشكلة وهاد شي حتمي طالما العالم عايش بدوامة القطب الواحد وانهيار الاتحاد السوفيتي اللي كان محافظ عاتوازن القطبين
مشكورة عالمرور