abd_balwi
05-15-2004, 02:42 AM
مررت يوماً من الأيام على باب منزل صغير في أحد الأزقة الديقة ,فرأيت حوله
مجمعاً حافلاً تصطك به الأقدام بالأقدام , و تمتزج فيه الأنفاس بالأنفاس, و قد تخلله قوم من رجال الشرطة ,
و سمعت قائلاً يقول : < قبح الله الأنتحار > وآخر يقول : <أحسبه شاباً غريباً لأني لم أرى عيناً تدمع عليه >
فعلمت أن هناك شاباً منتحراً , و ان هذا الحادث سبب هذا الجتماع .
لم أقتنع بالاجمال , فأحببت معرفة التفصيل , فحاولت الدخول إلى المنزل فما استطعت إلى ذلك سبيلا
فتريثت حتى لمحت رجلاً من رجال الشرطة أعرفه فدخلت معه و هناك رأيت على سرير الموت فتى في نحو العشرين من عمره , رقبق الجسم أصفر اللون , لم تستطع يد الموت محو كل آثار جماله , بل بقيت منه بقية كتلك البقية من الطيب التي يستنشقها الأنسان من الزهرة الذابلة .
أهتم الضابط بملابسه لعله يجد فيها ما يدل عليه , و اهتم الطبيب بجثته ليعرف غلة موته
أما أنا فجلست بجانبه جلسة الكئيب المحزون أفكر في مصيبته, وأندب شبابه و جماله
فلمحت حول سريره أوراقاً منثورة فجمعتها ووضعتها في محفظتي من حيث لا يشعر الضابط
ولا الطبيب بما أفعل و علني أجد فيها عبرة الموت .
و ما هي إلا ساعة , حتى قرر الطبيب انه منتحر بشرب مادة الزرنيخ و قرر الضابط نقل جثته
إلى الستشفى , فنقلت الجثة, وانفض الجمع المزدحم , ثم لم أعد أعلم عن أمره شيئاً .
خلوت بنفسي و الأوراق فنثرتها فرأيتها مجموعة خواطر عاشق, تناول كأس الحب بيده ,
فارتشف منه الرشفة اللأولى فوجدها حلوة المذاق , فألصق الكأس بفمه , و استمر يشرب لا يرفعها,
و لا يشعر بالمرارة المتجددة في جرعاتها حتى أتى على الجرعة الأخيرة , فإذا هي السم الناقع الذي قتله و ذهب بحياته .
قرأت تلك المذكرات فبكيت بكاءً رحمت نفسي منه, ثم طويتها و رميت بها بين أوراقي , وظلت على ذلك أعواماً طوالاً .
و بينما أنا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في سفط صغير , قد أصفر لونه لتقادم العهد
عليه , كما يصفر الكفن حول الجثة البالية, فشعرت برعدة تتمشى في أعضائي, وتخيلة انها في هذا السفط شبح كاتبها في ذلك القبر .
ثم عدت إلى نفسي فنثرتها للمرة الثانية و أعدت قرأتها,فرأيت قلب العاشق مرسوماً فيها رسماً صحيحاً
في حال سعادته و شقائه, و هأنذا أنشرها في الناس لتكون عبرة يعتبر بها المخاطرون بقلوبهم في هذا السبيل , سبيل الحب القاتل :
ـ1ـ
رأيتها فأحببتها , وما كنت أعرف الحب من قبلها.
كان قلبي في ظلام حالك لا يرى حتى نفسه, فلما أشرق فيه الحب أشرقت شمسٍ ساطعةٍ منيرة, لها من الشمس نورها و جمالها , وليس لها منها حرارتها ولذعتها .
كنت أشعر قبل اليوم كأن قلبي في صحراء هذه الحياة وحيد موحش لا يعرف القلوب,أو يعرفها ثم ينكرها فلما أحببت رأيت بجانبه قلباً يؤنسه و يزيل وحشته , فوجدت بين جوانحي من اللذة و الغبطة ما لو قسم على القلوب جميعاً ما خالطها حزن و لا مسها الم .
كنت أسمع باسم السعادة و لا أفهم معناها غير أني كنت أسمعهم إذا ذكروها ذكروا بجانبها القصر و الحديقة , والفضة و الذهب , و السلطة و الجاه , و الشهرة و الصيت, فلما أحببت أعتقدت ألا سعادة في الدنيا غير سعادة الحب, وأيقنت أن الناس جميعاً إنما يطلبون سعادة الأجسام لا سعادة النفوس
فمثلهم كمثل الدفين المكفن بالحرير و الديباج , و باطنه مسرح الدود و مرتع الهوام و الحشرات .
أحببتها قبل أن أعرف عنها شأناً من الشؤون سوى أنها تحبني , فكأنني ما منحتها قلبي إلا لأنها منحتني قلبها , و هو ثمن قليل في جانب هذه المنحة الغالية التي ما كنت أحدث نفسي بها , و لا كانت تستطيع ان تمثلها في عيني خواطر الأماني , ولا سوانح الأحلام .
عشت دهراً بين أقوام لا يهمهم أمري و لا يعنيهم شأني , و ذقت من آلام الحياة و شقاء العيش مالا يستطيع أن يتحمله بشرُ , فسمعت من يسألني: كيف حالك ؟ و من يقول لي : ما أشد جزعي لمصابك؟ و من يتباكى رحمة بي و أشفاقاً علي , ولكني لم أر بجانبي يوماً من الأيام عيناً تدمع , ولا قلباً يخفق !
رأيت من يحب جمالي كمن يحب تمثالاً متقن الصنع , من يحب مالي كما يحبه في كيسه أو خزانته
و من يعجب بحديثي إعجابه برواية بديعة, ولكني لم أر في حياتي من يحبني !
أما اليوم فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي , و العين التي تبكي في سبيلي , والنفس التي تحبني لا لشيء سواي , فقليل لها مني إن منحتها حياتي فكيف أبخل عليها بقلبي !
يتبع.........
مجمعاً حافلاً تصطك به الأقدام بالأقدام , و تمتزج فيه الأنفاس بالأنفاس, و قد تخلله قوم من رجال الشرطة ,
و سمعت قائلاً يقول : < قبح الله الأنتحار > وآخر يقول : <أحسبه شاباً غريباً لأني لم أرى عيناً تدمع عليه >
فعلمت أن هناك شاباً منتحراً , و ان هذا الحادث سبب هذا الجتماع .
لم أقتنع بالاجمال , فأحببت معرفة التفصيل , فحاولت الدخول إلى المنزل فما استطعت إلى ذلك سبيلا
فتريثت حتى لمحت رجلاً من رجال الشرطة أعرفه فدخلت معه و هناك رأيت على سرير الموت فتى في نحو العشرين من عمره , رقبق الجسم أصفر اللون , لم تستطع يد الموت محو كل آثار جماله , بل بقيت منه بقية كتلك البقية من الطيب التي يستنشقها الأنسان من الزهرة الذابلة .
أهتم الضابط بملابسه لعله يجد فيها ما يدل عليه , و اهتم الطبيب بجثته ليعرف غلة موته
أما أنا فجلست بجانبه جلسة الكئيب المحزون أفكر في مصيبته, وأندب شبابه و جماله
فلمحت حول سريره أوراقاً منثورة فجمعتها ووضعتها في محفظتي من حيث لا يشعر الضابط
ولا الطبيب بما أفعل و علني أجد فيها عبرة الموت .
و ما هي إلا ساعة , حتى قرر الطبيب انه منتحر بشرب مادة الزرنيخ و قرر الضابط نقل جثته
إلى الستشفى , فنقلت الجثة, وانفض الجمع المزدحم , ثم لم أعد أعلم عن أمره شيئاً .
خلوت بنفسي و الأوراق فنثرتها فرأيتها مجموعة خواطر عاشق, تناول كأس الحب بيده ,
فارتشف منه الرشفة اللأولى فوجدها حلوة المذاق , فألصق الكأس بفمه , و استمر يشرب لا يرفعها,
و لا يشعر بالمرارة المتجددة في جرعاتها حتى أتى على الجرعة الأخيرة , فإذا هي السم الناقع الذي قتله و ذهب بحياته .
قرأت تلك المذكرات فبكيت بكاءً رحمت نفسي منه, ثم طويتها و رميت بها بين أوراقي , وظلت على ذلك أعواماً طوالاً .
و بينما أنا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في سفط صغير , قد أصفر لونه لتقادم العهد
عليه , كما يصفر الكفن حول الجثة البالية, فشعرت برعدة تتمشى في أعضائي, وتخيلة انها في هذا السفط شبح كاتبها في ذلك القبر .
ثم عدت إلى نفسي فنثرتها للمرة الثانية و أعدت قرأتها,فرأيت قلب العاشق مرسوماً فيها رسماً صحيحاً
في حال سعادته و شقائه, و هأنذا أنشرها في الناس لتكون عبرة يعتبر بها المخاطرون بقلوبهم في هذا السبيل , سبيل الحب القاتل :
ـ1ـ
رأيتها فأحببتها , وما كنت أعرف الحب من قبلها.
كان قلبي في ظلام حالك لا يرى حتى نفسه, فلما أشرق فيه الحب أشرقت شمسٍ ساطعةٍ منيرة, لها من الشمس نورها و جمالها , وليس لها منها حرارتها ولذعتها .
كنت أشعر قبل اليوم كأن قلبي في صحراء هذه الحياة وحيد موحش لا يعرف القلوب,أو يعرفها ثم ينكرها فلما أحببت رأيت بجانبه قلباً يؤنسه و يزيل وحشته , فوجدت بين جوانحي من اللذة و الغبطة ما لو قسم على القلوب جميعاً ما خالطها حزن و لا مسها الم .
كنت أسمع باسم السعادة و لا أفهم معناها غير أني كنت أسمعهم إذا ذكروها ذكروا بجانبها القصر و الحديقة , والفضة و الذهب , و السلطة و الجاه , و الشهرة و الصيت, فلما أحببت أعتقدت ألا سعادة في الدنيا غير سعادة الحب, وأيقنت أن الناس جميعاً إنما يطلبون سعادة الأجسام لا سعادة النفوس
فمثلهم كمثل الدفين المكفن بالحرير و الديباج , و باطنه مسرح الدود و مرتع الهوام و الحشرات .
أحببتها قبل أن أعرف عنها شأناً من الشؤون سوى أنها تحبني , فكأنني ما منحتها قلبي إلا لأنها منحتني قلبها , و هو ثمن قليل في جانب هذه المنحة الغالية التي ما كنت أحدث نفسي بها , و لا كانت تستطيع ان تمثلها في عيني خواطر الأماني , ولا سوانح الأحلام .
عشت دهراً بين أقوام لا يهمهم أمري و لا يعنيهم شأني , و ذقت من آلام الحياة و شقاء العيش مالا يستطيع أن يتحمله بشرُ , فسمعت من يسألني: كيف حالك ؟ و من يقول لي : ما أشد جزعي لمصابك؟ و من يتباكى رحمة بي و أشفاقاً علي , ولكني لم أر بجانبي يوماً من الأيام عيناً تدمع , ولا قلباً يخفق !
رأيت من يحب جمالي كمن يحب تمثالاً متقن الصنع , من يحب مالي كما يحبه في كيسه أو خزانته
و من يعجب بحديثي إعجابه برواية بديعة, ولكني لم أر في حياتي من يحبني !
أما اليوم فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي , و العين التي تبكي في سبيلي , والنفس التي تحبني لا لشيء سواي , فقليل لها مني إن منحتها حياتي فكيف أبخل عليها بقلبي !
يتبع.........