abd_balwi
05-16-2004, 03:56 AM
جلست إليها للمرة الأولى فحدثتني نفسي أن أمد يدي إلى يدها فأضعها على صدري لأطفئ
بها غلتي, فما لمستها حتى نظرت إلي نظرة العاتب و قالت: كن رجلاً في حبك و أترك الطفولة لغيرك .
إن كنت تحبني لنفسي فها أنت قد ملكتها عليّ و أحرزتها من دوني .....
و إن كنت تحبني لهذه الصورة الجسمانية فما أضعف همتك..... و ما أصغر نفسك !.
أتزرف دمعك, وتسهر ليلك , وتذيب قلبك , من أجل عظمة تلمسها أو جلدة تلثمها ؟
أنت شريفٌ في نفسك فلا تحب غير نفسي .
و ما وصلت في حديثها على هذا الحد حتى رأيتني قد صغرت في عين نفسي و تمنيت أن لو عجل إلى أجلي قبل أن يمر هذا الخاطر الفاسد في ذهني . ثم أستوهبتها ذنبي فوهبته لي, و ما عدت من بعدها إلى مثلها .
الآن عرفت مبلغ عظمتها , وفضل هدايتها , ومقدار ما يبغه الحب الشريف من النفس, فهأنذا أشعر كأن نفسي مرآة يغشاها الصدأ , و كأن الحب صيقل يصقلها فيجلو صفاتها شيأً فشيأً .
كنت أحمل بين جوانحي لأعدائي ضعفاً و حقداً , فأصبحت لا أشعر بما كنت أشعر به من قبل , لأن الحب ملك على قلبي , واستخلصه لنفسه فلم يترك فيه مجالا لشيء سواه.
كنت ضيق الصدر إن مسني ألم .... سريع الغضب إن فاتني مأرب .......
فأصبحت فسيح رقعت الحلم , لا يستفزني غضب , ولا يحرجني محرج لأني قنعت بسعادةالحب , فلم أحفل بعدها بشيء سواها .
شديد القسوة , متحجر القلب , لا أعطف على بائس , و لا أحنو على ضعيف , فأصبحت أشعر بالمصيبة أراها تصيب غيري و لا تصيبني , وأتألم لبؤس كل بائس ........
لأن الحب أشرق في قلبي فملأه نوراً......
و جملة القول أنني كنت وحشاً ضارباً أعيا العالمين رياضته و تدليله , فصرت بين يدي الحب الشريف إنساناً شريفاً , وملكاً كريماً .
خرجت بها في الليل إلى ضفة النهر , وكان الماء رائقاً , والسماء صافيةً , وفي كلاً منها نجوم و كواكب تتلألأ في صفحته فاختلط علينا الأمر حتى ما نفرق بين الأصل و المرآة و لا ندري أين مكان الماء من مكان السماء , فمشينا طويلاً لا ينبث أحدنا بكلمة , وكان سكون الليل قد سرى إلى أفئدتنا و ملا بين جوانحنا , فأمسكنا عن الحديث هيبة وأجلالاً .
وكنت أشعر في تلك الساعة بخفة في جسمي, وصفاء في نفسي حتى كان يخيل إلي أني لو شئت أن أطير لطرت بغير جناح , وأن في أستطاعتي أن أخترق بنظري حجب السماء و أنفذ إلى الملا.
و تمنيت أن تستمر مشيتنا هذه ما ضل النجم و ما دام الظلام .
فالتفت إليها و سألتها : هل تشعري بالسعادة التي أشعر بها ؟
قالت: لا, لأني أعرف من شؤون الأيام وأحوالها غير ما تعرف و لأني لا أنظرإلى الدنيا بالعين التي تنظر بها !
أنت سعيد بالأمل , وأنا شقية بالحقيقة الواقعة .
أنك سعيد لأنك تظن أن سعادتك دائمة لاانقطاع فيها , وأنا شقية لأني أتوقع في كل لحظة زوالها و فنائها .
إنك إن أستطعت أن تقف الشمس في كبد السماء , و أن تحول بين الأرض و دورتها , وأن تمنع الساكن أن يتحرك , و المتحرك أن يسكن , فاضمن لنفسك أستمرار السعادة و بقائها .
و هنا أمسكت عن الكلام و أطرقت بنفسها طويلاً , فرأيت مدامعها تنحدر على خديها بيضاء صافيةً كالؤلؤ المكنون , فبكيت لبكائها, وقلت لما تبكين ؟ قالت: خوف الفراق,
قلت : فراق الحياة فإنني لا أخافه , لأنه لا توجد قوة في العالم تستطيع أن تحول بيني وبينك
إنما أخاف فراق الموت الذي لا حيلت فيه ..... و لا منتدح عنه , قلت: هل لك أن نتعاهد على أن نعيش معاً و نموت معاً , قالت : ذلك ما يهون علي ألمي , فتعهدنا , ثم رجعنا أدراجنا , والليل يشمر أذياله للفرار من النهار , ثم أفترقناعلى ميعاد , و ذهب كلٌُ منا إلى سبيله .
ألا يستطيع هذا الدهر الغادر أن ينام ساعةَ واحدةَ عن هذا الأنسان ؟
ألا يستطيع أن يسقيه كأساً واحداً لا يخالطها كدر , و لا يمازجها شقاء؟
ألا يستطيع أن يحرمه السعادة بتاتاً فلا يذيقه من كأسها قطرة واحدة ما دام يريد أن يمنحه اليوم ليسلبه غداً ؟
إن الأنسان لا يستطيع على أحتمال الشقاء الدائم , لاكنه يستطيع على أحتمال السعادة المنقطعة .
يقولون : أن الأمل حياة الأنسان , وما قتل الإنسان و مزق حياته إلا الأمل الباطل .
ماتت الفتاة التي كانت شمس حياتي , وأشعة آمالي, وينبوع سعادتي و هنائي .
ماتت الفتاة التي كانت ملء الدنيا جمالاً و بهاء , فماتت بموتها كل حي في هذا الوجود.
أصبحت أرى الأرض غير الأرض , والسماء غير السماء , وأرى الطيور صامتة لا تغرد , و الغصون ساكنة لا تتحرك , وأرى النجوم آفلة, والأزهار ذابلة , والطبيعة واجمة حزينة ,
و ارى الدنيا كأنما عادت إلى عهدها الأول لا يسكنها إنسان و لا يخطرها حيوان , وكأنني فيها آدمها الوحيد المسكين الذي يندب جنته و يشكو وحدته .
أيها الدهر الغادر: أن غلبتني عليها فأنك لن تستطيع أن تغلبني على نفسي, لك أن تخرج من الدنيا من تشاء , ولكن ليس لديك أن ترد إلها من خرجت منها .
أيتها النفس الهائمة في سمائها لا تجزعي و لا تعجلي , فوالله لأفين بعهدك ولأذهبن عما قليل وحشتك ليكونن عهدنا في مستقبلنا كعهدنا في ماضينا , فما تعارفنا في العالم الأول إلا بأرواحنا فالنكن كذلك في العالم الثاني
من كتاب مصطفى المنفلوطي
بها غلتي, فما لمستها حتى نظرت إلي نظرة العاتب و قالت: كن رجلاً في حبك و أترك الطفولة لغيرك .
إن كنت تحبني لنفسي فها أنت قد ملكتها عليّ و أحرزتها من دوني .....
و إن كنت تحبني لهذه الصورة الجسمانية فما أضعف همتك..... و ما أصغر نفسك !.
أتزرف دمعك, وتسهر ليلك , وتذيب قلبك , من أجل عظمة تلمسها أو جلدة تلثمها ؟
أنت شريفٌ في نفسك فلا تحب غير نفسي .
و ما وصلت في حديثها على هذا الحد حتى رأيتني قد صغرت في عين نفسي و تمنيت أن لو عجل إلى أجلي قبل أن يمر هذا الخاطر الفاسد في ذهني . ثم أستوهبتها ذنبي فوهبته لي, و ما عدت من بعدها إلى مثلها .
الآن عرفت مبلغ عظمتها , وفضل هدايتها , ومقدار ما يبغه الحب الشريف من النفس, فهأنذا أشعر كأن نفسي مرآة يغشاها الصدأ , و كأن الحب صيقل يصقلها فيجلو صفاتها شيأً فشيأً .
كنت أحمل بين جوانحي لأعدائي ضعفاً و حقداً , فأصبحت لا أشعر بما كنت أشعر به من قبل , لأن الحب ملك على قلبي , واستخلصه لنفسه فلم يترك فيه مجالا لشيء سواه.
كنت ضيق الصدر إن مسني ألم .... سريع الغضب إن فاتني مأرب .......
فأصبحت فسيح رقعت الحلم , لا يستفزني غضب , ولا يحرجني محرج لأني قنعت بسعادةالحب , فلم أحفل بعدها بشيء سواها .
شديد القسوة , متحجر القلب , لا أعطف على بائس , و لا أحنو على ضعيف , فأصبحت أشعر بالمصيبة أراها تصيب غيري و لا تصيبني , وأتألم لبؤس كل بائس ........
لأن الحب أشرق في قلبي فملأه نوراً......
و جملة القول أنني كنت وحشاً ضارباً أعيا العالمين رياضته و تدليله , فصرت بين يدي الحب الشريف إنساناً شريفاً , وملكاً كريماً .
خرجت بها في الليل إلى ضفة النهر , وكان الماء رائقاً , والسماء صافيةً , وفي كلاً منها نجوم و كواكب تتلألأ في صفحته فاختلط علينا الأمر حتى ما نفرق بين الأصل و المرآة و لا ندري أين مكان الماء من مكان السماء , فمشينا طويلاً لا ينبث أحدنا بكلمة , وكان سكون الليل قد سرى إلى أفئدتنا و ملا بين جوانحنا , فأمسكنا عن الحديث هيبة وأجلالاً .
وكنت أشعر في تلك الساعة بخفة في جسمي, وصفاء في نفسي حتى كان يخيل إلي أني لو شئت أن أطير لطرت بغير جناح , وأن في أستطاعتي أن أخترق بنظري حجب السماء و أنفذ إلى الملا.
و تمنيت أن تستمر مشيتنا هذه ما ضل النجم و ما دام الظلام .
فالتفت إليها و سألتها : هل تشعري بالسعادة التي أشعر بها ؟
قالت: لا, لأني أعرف من شؤون الأيام وأحوالها غير ما تعرف و لأني لا أنظرإلى الدنيا بالعين التي تنظر بها !
أنت سعيد بالأمل , وأنا شقية بالحقيقة الواقعة .
أنك سعيد لأنك تظن أن سعادتك دائمة لاانقطاع فيها , وأنا شقية لأني أتوقع في كل لحظة زوالها و فنائها .
إنك إن أستطعت أن تقف الشمس في كبد السماء , و أن تحول بين الأرض و دورتها , وأن تمنع الساكن أن يتحرك , و المتحرك أن يسكن , فاضمن لنفسك أستمرار السعادة و بقائها .
و هنا أمسكت عن الكلام و أطرقت بنفسها طويلاً , فرأيت مدامعها تنحدر على خديها بيضاء صافيةً كالؤلؤ المكنون , فبكيت لبكائها, وقلت لما تبكين ؟ قالت: خوف الفراق,
قلت : فراق الحياة فإنني لا أخافه , لأنه لا توجد قوة في العالم تستطيع أن تحول بيني وبينك
إنما أخاف فراق الموت الذي لا حيلت فيه ..... و لا منتدح عنه , قلت: هل لك أن نتعاهد على أن نعيش معاً و نموت معاً , قالت : ذلك ما يهون علي ألمي , فتعهدنا , ثم رجعنا أدراجنا , والليل يشمر أذياله للفرار من النهار , ثم أفترقناعلى ميعاد , و ذهب كلٌُ منا إلى سبيله .
ألا يستطيع هذا الدهر الغادر أن ينام ساعةَ واحدةَ عن هذا الأنسان ؟
ألا يستطيع أن يسقيه كأساً واحداً لا يخالطها كدر , و لا يمازجها شقاء؟
ألا يستطيع أن يحرمه السعادة بتاتاً فلا يذيقه من كأسها قطرة واحدة ما دام يريد أن يمنحه اليوم ليسلبه غداً ؟
إن الأنسان لا يستطيع على أحتمال الشقاء الدائم , لاكنه يستطيع على أحتمال السعادة المنقطعة .
يقولون : أن الأمل حياة الأنسان , وما قتل الإنسان و مزق حياته إلا الأمل الباطل .
ماتت الفتاة التي كانت شمس حياتي , وأشعة آمالي, وينبوع سعادتي و هنائي .
ماتت الفتاة التي كانت ملء الدنيا جمالاً و بهاء , فماتت بموتها كل حي في هذا الوجود.
أصبحت أرى الأرض غير الأرض , والسماء غير السماء , وأرى الطيور صامتة لا تغرد , و الغصون ساكنة لا تتحرك , وأرى النجوم آفلة, والأزهار ذابلة , والطبيعة واجمة حزينة ,
و ارى الدنيا كأنما عادت إلى عهدها الأول لا يسكنها إنسان و لا يخطرها حيوان , وكأنني فيها آدمها الوحيد المسكين الذي يندب جنته و يشكو وحدته .
أيها الدهر الغادر: أن غلبتني عليها فأنك لن تستطيع أن تغلبني على نفسي, لك أن تخرج من الدنيا من تشاء , ولكن ليس لديك أن ترد إلها من خرجت منها .
أيتها النفس الهائمة في سمائها لا تجزعي و لا تعجلي , فوالله لأفين بعهدك ولأذهبن عما قليل وحشتك ليكونن عهدنا في مستقبلنا كعهدنا في ماضينا , فما تعارفنا في العالم الأول إلا بأرواحنا فالنكن كذلك في العالم الثاني
من كتاب مصطفى المنفلوطي